محمد راغب الطباخ الحلبي
223
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
باب المقام رحمه اللّه تعالى . ( ثم قال ) : ولازم والدي وقرأ عليه بعد التسعين وسبعماية وناظر مشايخه وباحثهم واعترفوا بفضله وحفظ سيرة ابن سيد الناس وكتبها بخطه . أخبرني أنه أرق ليلة فتذكر أن بعض الخلفاء أرق وكان قد طفىء سراجه ، فأمر بتحويل فراشه فإذا حية تحته ، قال : فحولت مخدتي فإذا أنا بحية تحت مخدتي . ثم لازمته بعد الثلاثين وكتبت حكمه ، ثم أقلعت عن ذلك وانقطعت للاشتغال وحضرت دروسه بالمدارس والجامع . وكان يقرأ عليه بالجامع التمهيد لابن عبد البر ومنهاج البيضاوي . وقال لي يوما : تتفكه قبل أن تتغدى ، فقلت له : ما معنى هذا ؟ فقال : طالع الروضة والشرح فإنها بمنزلة الخبز واللحم ، وأما شروح المنهاج فإنما هي بمنزلة الفاكهة . وكان يطالع الشرح الكبير للرافعي والروضة ويكثر مطالعتهما بحيث إنه يحفظ منهما الورقة والورقتين وينقلهما بالحرف ، ويحفظ شرح مسلم وقرأ غالبه على والدي . وكان عالما بالفقه والأصول ، وكان اشتغل به آخرا ، وينزل الفروع على الأصول ، وحفظ كتاب التمهيد للأسنوي في ذلك . وقيل له مرة وهو في السفر : المطلق والمقيد ما يقول فيهما ؟ فأخذ يذكر هذه المسألة وما بني عليها من الفروع حتى عجب الحاضرون من ذلك . وكان يحفظ التوضيح لابن هشام . وكان حليما عفيفا نزها يغضي عن عورات ، لا يتكلم في أحد إلا بخير ، نظيف اللسان ، ويتصامم قصدا عما يكره . وافتقده أهل حلب . ورثاه شيخنا قاضي المسلمين محب الدين أبو الفضل بن الشحنة بقصيدة وأنشدني إياها : ناحت على سلطانها العلماء * وبكت لفقد علائها الشهباء وأنهد ركن أيّ ركن شامخ * للمسلمين ويتّم الفقهاء ومنها : من للمدارس بعده علامة * من للفتاوي إن بغي إفتاء جلّ المصاب به وعمّ فموته * قسما مصاب ليس عنه عزاء اللّه أكبر يا لها من ثلمة * في دين أحمد ما لها إرفاء